أحمد بن محمد المقري التلمساني
150
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عزموا على الغزو ، وأنا إن شاء اللّه تعالى ماض معهم ، ثم احتال في سيف ورمح وتوجّه معهم ، وقال : نفسي هي التي قتلتني بهواها ، أفلا أقتصّ منها فأقتلها ؟ قال : فقلت لها : من خلّف للنظر في شأنكم ؟ فقالت : ليس ذلك لك ، فالذي خلفنا له لا نحتاج معه « 1 » إلى غيره ، فأدركني من جوابها روعة ، وعلمت أنها مثله زهدا وصلاحا ، فقلت : إني قريبه ، ويجب عليّ أن أنظر في حالكم بعده ، فقالت : يا هذا ، إنك لست بذي محرم ، ولنا من العجائز من ينظر منّا ويبيع غزلنا ويتفقّد أحوالنا ، فجزاك اللّه تعالى عنّا خيرا ، انصرف عنّا مشكورا ، فقلت لها : هذه دراهم خذوها لتستعينوا بها « 2 » ، فقالت : ما اعتدنا أن نأخذ شيئا من غير اللّه تعالى ، وما كان لنا أن نخلّ بالعادة ، فانصرفت نادما على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرّك بزيادة دعائه ، ثم عدت بعد ذلك لداره سائلا عنه ، فقالت لي المرأة : إنه قد قبّله اللّه تعالى ، فعلمت أنه قد قتل ، فقلت لها : أقتل ؟ فقرأت وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ سورة آل عمران ، الآية : 169 ] - الآية فانصرفت معتبرا من حاله ، رحمه اللّه تعالى ورضي عنه ونفعنا به ! . وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا ، في الدين والدنيا . انتهى . [ محمد بن أيوب المرواني ] وقال محمد بن أيوب المرواني ، لمّا كلّف قوما حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلّفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر ، فنهض بها : [ الوافر ] نهضت بما سألتك غير وان * وقد صعبت لسالكها الطريق وليس يبين فضل المرء إلّا * إذا كلّفته ما لا يطيق وعتبه يوما سعيد بن المنذر في كونه يتعرّض لمدح خدام بني مروان ، فقال له : أعزّ اللّه تعالى القائد الوزير ! إنكم جعلتموني ذنبا وجعلوني رأسا ، والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها « 3 » وإن كان فوقها ، وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلّا اللّه الذي بلاني به « 4 » ، ويا ويح الشجيّ من الخليّ ، وأنا الذي أقول فيما يتخلّل هذا المنزع : [ الطويل ] نسبت لقوم ليتني نجل غيرهم * فلي نسب يعلو وحظّي يسفل أقطّع عمري بالتعلّل والمنى * وكم يخدع المرء اللبيب التّعلّل فما لي مكان أرتضيه لهمّة * ولا مال منه أستعفّ وأفضل
--> ( 1 ) في ه : « ولا يحتاج معه إلى غيره » . ( 2 ) في ب ، ه : « خذوها تستعينوا بها » . ( 3 ) في أ : « أكثر ممن يهينها » . ( 4 ) في ه : « لا يعلمه إلّا الذي أبلاني به » .